20 يوليو 2020

لندن - إن منظمات المجتمع المدني الفلسطيني هي انعكاس دقيق لواقع المجتمع الفلسطيني في أزماته المختلفة، سواء كانت داخلية أو خارجية.  ويتجلى هذا الانعكاس في جانبين، الأول يعبر عن سعي المجتمع واهتمامه بالعيش والاستقلال والحرية وبناء رغبته للوصول إلى أهدافه المشروعة.  أما الجانب الثاني فهو يعكس حالة من التناقض في المجتمع الفلسطيني، حيث أصبح هناك تراجع في الانتماء إلى الوطن والمجتمع، وحلَ مكان هذا الانتماء حالة من الانقسام والتشتت واختراق المفاهيم التقليدية للانتماء القبلي والأسري والانتماء للأحزاب السياسية.

دور وحجم الفعاليات التـي تقـوم بهـا منظمات المجتمع المدني الفلسطيني في النهوض في التنمية البشرية لم تتمكن بعد من الوصـول الـى  توضيح أسس عمل هذه المنظمات. وفي الوقت نفسه، فإن جوهر مفهوم منظمات المجتمع المدني يقوم على توفير الأمن البشري الذي يشمل توفير الأمن البيئي، والأمن الصحي، والأمن المجتمعي، والأمن الغذائي، والأمن السياسي، والأمن الاقتصادي، والأمن الشخصي وتعزيز المشاركة كشرط أساسي لتحقيق التنمية البشرية. غير أن منظمات المجتمع المدني الفلسطيني لم تتمكن من أداء دورها وواجباتها بالكامل بسبب عوامل تتعلق بالبيئة الداخلية للمنظمة وعوامل أخرى تتعلق بالبيئة الخارجية لمنظمات المجتمع المدني الفلسطينية.

ويعد التمويل الخارجي، الذي يعتبر أحد الاحتياجات الملحة والضرورية لعمل منظمات المجتمع المدني الفلسطينية، أحد أبرز العقبات التي تَحِدّْ من تحقيق دور فعال لمنظمات المجتمع المدني في النهوض بالتنمية البشرية. وذلك لأن هذا التمويل يأتي برؤية مشروطة ولا يحمل معاني التكامل ولا يأخذ في الاعتبار الرؤية والمصلحة الوطنية، حيث يسعى هذا التمويل إلى تحقيق مصالح الجهات المانحة بما يخدم رؤيتهم وبعيدا عن المصلحة الوطنية الفلسطينية. وإلى جانب التمويل المشروط ودوره في إعاقة نشاط منظمات المجتمع المدني في النهوض في التنمية البشرية، فإن عجز السلطة الوطنية الفلسطينية الواضح عن الاضطلاع بمختلف المهام المطلوبة كسلطة عليا للشعب الفلسطيني يشكل أيضاً عقبة أساسية. ومع ظهور علاقة تكاملية بين منظمات المجتمع المدني الفلسطيني والسلطة الوطنية الفلسطينية، كانت هذه العلاقة تميل أحياناً إلى تشكيل تفويض من السلطة الوطنية الفلسطينية لمنظمات المجتمع المدني للقيام ببعض المهام التي هي أساساً من بين مهام السلطة الوطنية الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، تَحِدّْ السلطة من حرية نشاط منظمات المجتمع المدني واستقلالها، وتتنافس هذه المنظمات للحصول على حصة أكبر من التمويل الخارجي المخصص للتنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

نشأت طبيعة العلاقة بين منظمات المجتمع المدني الفلسطيني والسلطة الوطنية الفلسطينية في ظروف استثنائية، حيث شكلت ظاهرة المجتمع المدني الفلسطيني حالة استثنائية لما هي عليه في الواقع في مختلف بلدان العالم. لقد نشأت منظمات المجتمع المدني الفلسطيني قبل ظهور الكيان السياسي، حيث كانت هذه المؤسسة ضرورة ملحة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، واستجابة أولية لإراحة الشعب الفلسطيني من مآسي هذا الاحتلال وحالة النزوح المفروضة على المجتمع الفلسطيني. وكان على هذه المنظمات أن تقدم الحد الأدنى من الخدمات والضروريات اللازمة للمجتمع الفلسطيني، بالإضافة إلى أن تكون نواة لإعادة تشكيل العمل السياسي والوطني للشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال الإسرائيلي. ومع تطور المراحل التي مر بها المجتمع المدني الفلسطيني، ومع ظهور السلطة الوطنية، ظهر نوع من المنافسة والصراع في الأدوار والمخصصات المالية بين السلطة الوطنية من جهة ومنظمات المجتمع المدني من جهة أخرى. واستمر هذا الوضع إلى أن وصلت الأمور إلى حالة وصاية من السلطة الوطنية الفلسطينية على عمل منظمات المجتمع المدني الفلسطينية ونشاطها.

وفي ضوء العقبات التي تعوق عمل منظمات المجتمع المدني الفلسطيني بالقيام بدور فاعل في مجال النهوض بالتنمية البشرية، فإن هذه المنظمات لم تتوقف عند حالة الصراع السائدة بين منظمات المجتمع المدني بعضها مع بعض من جهة والسلطة الوطنية الفلسطينية من جهة أخرىفإن هذه العوائق تمتد لتشمل حالة عدم الاهتمام بالحاجة إلى إقامة الشبكات وتوثيق العلاقات بين منظمات المجتمع المدني على المستويين الداخلي والخارجي. لم تعمل غالبية منظمات المجتمع المدني الفلسطينية على وضع خطة عمل استراتيجية لتحقيق أهداف محددة وواضحة بدلاً من تعثر الجهود الملحوظة على أداء المنظمات المجتمعية. وهذه الأمور تجعل فكرة النهوض بالتنمية البشرية من قبل منظمات المجتمع المدني الفلسطيني كمحاولات رَهْنْ في كثير من الأحيان، في حين أن العقبات التي تتعلق بالبيئة الداخلية وغيرها من العقبات المتعلقة بالبيئة الخارجية لا تزال تفسد كيان منظمات المجتمع المدني الفلسطيني كما هو الحال مع واقع المجتمع الفلسطيني في الوقت الحاضر.

لذلك، ومن أجل دعم منظمات المجتمع المدني، تقترح المنصة الدولية لمنظمات المجتمع المدني غير الحكومية العاملة لأجل فلسطين "آي بالستاين" التوصيات التالية التي قد تسهم في تحقيق دور فعال لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني في النهوض بالتنمية البشرية، وقد تساعد على التغلب على العديد من العقبات التي تحد من دور منظمات المجتمع المدني في سبيل النهوض بالتنمية البشرية:

  • صياغة خطط وبرامج منظمات المجتمع المدني الفلسطيني وفق رؤية تسعى من خلالها إلى تحقيق وترسيخ مفاهيم تغيير المجتمع وتطويره، ليس فقط تقديم المساعدة والإغاثة، حيث أن عمل منظمات المجتمع المدني لا يقتصر على شكل تقديم الإغاثة والمساعدات، بل يشمل السعي لتغيير المجتمع وتطويرهوهذا هو أساس عملية التنمية التي تشكل جوهر عمل منظمات المجتمع المدن.
  • إعادة النظر في العمل التطوعي، من خلال العمل على تعزيز مفاهيم العمل الاجتماعي التطوعي وأهميته، وتطوير مفهوم مشاركة المجتمع، نظراً لأهميته ودوره في عملية تحقيق التنمية على وجه العموم والتنمية البشرية على وجه الخصوص.
  • إعادة هيكلة برامج منظمات المجتمع المدني الفلسطيني بطريقة تضمن تعزيز التجمع العام حول هذه المنظمات، وبطريقة تعزز مساهمة أفراد المجتمع في العمل المجتمعي.
  • العمل على تعزيز الشراكة بين المجتمع والقطاعين العام والخاص لتحقيق الأهداف التنموية.
  • تعزيز مبادئ الحكم الرشيد والنزاهة والشفافية والإدارة الديمقراطية في جميع منظمات المجتمع المدني.
  • ينبغي على منظمات المجتمع المدني أن تخصص وتضع خططاً وبرامج تحكم طبيعة عملها. وربط وجدولة هذه الخطط والبرامج لتنفيذها، وينبغي أن تكون هذه الخطط والبرامج، عند صياغتها، متسقة مع خطة التنمية الوطنية للمجتمع المدني.
  • السعي لخلق عقد شراكة وتعاون واتّصال بين منظمات المجتمع المدني الفلسطيني بعضها مع بعض من جهة، وبينها وبين السلطة الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى للحد من تشتت الجهود، والتخلص من ظاهرة تشابه المشاريع التنموية وتركيزها في مناطق جغرافية معينة دون غيرها، نظراً لغياب التنسيق والشراكة والتعاون.
  • وضع خطة شراكة وتعاون بين منظمات المجتمع المدني والحكومة الفلسطينية على أساس خطة تنمية شاملة في فلسطين.
  • العمل على إعادة إنشاء منظمات شعبية التي يقوم عملها على رأس المال البشري وليس على الدعم والتمويل الخارجيين.
  • صياغة المشاريع التنموية بعائد مادي، على حساب مشاريع وبرامج الإغاثة، من أجل الوصول إلى القضاء التدريجي المعتمد كليا على التمويل الخارجي.
  • العمل على خلق نوع من الشراكة بين المجتمع المحلي والقطاع الخاص، كبديل في المستقبل، بشأن التمويل الخارجي.
  • رفض التمويل السياسي المشروط الذي يتجاوز الحقوق الوطنية للشعب.
  • العمل على تعزيز العلاقة بين منظمات المجتمع المدني والمجتمع المحلي، للحد من سيطرة الأحزاب السياسية على هذه المنظمات.
  • ضرورة توحيد جهود منظمات المجتمع المدني الفلسطينية من أجل سن القوانين التي تضمن للمواطن الفلسطيني حقوقه الاجتماعية والسياسية وتوفر فرص العمل.