13 أغسطس 2020

لندن - مع ارتفاع معدلات الإصابة بفيروس كورونا المستجد في الضفة الغربية وقطاع غزة، يتساءل معظم الفلسطينيين عمّا إذا كانت عودة أطفالهم إلى مقاعد الدراسة ستكون عودة آمنة، في الوقت الذي أعلنت الوزارة فيه أنها ستستخدم نظام التعليم المُدمج الذي يجمع بين التعليم الوجاهي والتعليم عن بُعد مع بداية العام الدراسي الجديد. لكن الإجابة على هذا التساؤل ليست بالسهلة خاصة وأن معظم الأبحاث والفحوصات المتعلقة بوباء كوفيد-19 تشير إلى أن الأطفال دون سن ال ١٨ ليسوا محصنين ضد الإصابة بـفيروس كورونا، فهم عرضة للعدوى بالوباء، لكن أعراض المرض في الأطفال الأصحاء، الذين لا يعانون أمراضا أخرى، لا تظهر عليهم مثل البالغين في غالبية الحالات. وهنا يكمن السؤال حول ماهية الاحتياطات والاستراتيجيات التي يتعين على الحكومة بالتعاون مع المجتمع المدني اتخاذها لمنع انتشار فيروس كوفيد-19 في المدارس آخذين بعين الاعتبار بأن تكون لكل طفل المصلحة الفضلى في مركز هذه القرارات.

أصدرت الحكومة الفلسطينية في 5 مارس 2020م قراراً بإغلاق المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية الفلسطينية؛ بهدف تقليل فرص انتشار هذا الفيروس، كما أصدرت وزارة التربية والتعليم مجموعة قرارات وتوجيهات لمديريات التربية والتعليم والجامعات لإدارة نظام التعليم عن بعد كبديل عن التعليم الوجاهي، لكن ومع قرب بداية العام الدراسي الجديد أعلنت الوزارة أنها ستستخدم نظام التعليم المُدمج الذي يجمع بين التعليم الوجاهي والتعليم عن بُعد. ووضَّحت بأن دوام طلبة الصفوف من الأول وحتى الرابع سيكون على ورديتين متتاليتين ما بين الـ 8 صباحاً والـ 2 بعد الظهر، أما الصفوف من الخامس حتى الحادي عشر يكون تدرسيها بشكل تبديلي أي يومين أو ثلاثة في الأسبوع الواحد. أما صفوف الثانوية العامة فيمكن استئناف تدريسها في الخامس من الشهر القادم.

في هذا الصدد، ترى المنصة الدولية "آي بالستاين" أن قرار وزارة التربية والتعليم بعودة الطلبة إلى مدارسهم في ظل أزمة كورونا يطرح مجموعة من التحديات الصحية والتعليمية التي يجب أخذها بعين الاعتبار، الأمر الذي يُلقي على وزارة التربية والتعليم مسؤولية تطوير البنية التحتية للمدارس بما يضمن حماية الطلبة والمُعلمين، وإلزام كافة المدارس الحكومية والخاصة بتطبيق كافة الإجراءات الاحترازية المعتمدة لمواجهة فيروس كورونا، وتقديم التوعية الصحية للمعلمين والطلبة حفاظاً على سلامتهم، وتوفير أدوات ومواد الصحة والتعقيم داخل المدارس،  والتأكد من استخدام الصفوف واسعة المساحة والتي تتيح التباعد بالقدر اللازم على أن لا يزيد عدد الطلبة في الغرفة الواحد عن 15  طالب.  إلى جانب ضرورة توفير نظام تهوية في هذه الصفوف مناسب وصحي، كما ينبغي إعداد استراتيجية لدمج التكنولوجيا وتوظيفها في النظام التعليمي الجديد مثل: توفير منصات تعلم الكتروني، وشبكات انترنت متاحة للمدارس، وتدريب المعلمين على استخدام وسائل التعليم الإلكتروني؛ ليكون التعليم عن بعد وسيلة مساندة للتعليم الوجاهي وليس بديلاً عنه.

إن التحدي الأبرز الذي يواجه قرار العودة للمدارس في ظل أزمة كورونا، يتمثل بعدم جاهزية المدارس في فلسطين لاستقبال الأعداد الكبيرة من الطلبة، خاصة أن نسبة التعليم المدرسي في فلسطين مرتفعة جداً، فوفقاً لجهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني فإن عدد الطلبة في المدارس بلغ نحو مليون و282 ألف طالب وطالبة، وبلغ عدد المُعلمين نحو 57,458 معلماً ومعلمة. ومع هذا الاكتظاظ الكبير في اعداد الطلبة؛ فإن المدارس الفلسطينية لا تتوفر فيها المساحات الكافية لتحقيق شرط التباعد الاجتماعي، ولا تتمتع بجميع المواصفات اللازمة لمنع انتقال عدوى فيروس كورونا، الأمر الذي قد يؤدي إلى اهمال تدابير الوقاية التي حثت عليها منظمة الصحة العالمية مثل: إجراءات التباعد الاجتماعي، ومنع الاختلاط والتلامس، والوقاية من السعال، وغير ذلك.

ولمواجهة التحديات والمخاوف من قرار استئناف فتح المدارس وعودة التعليم الوجاهي داخل الأراضي الفلسطينية، فمن المهم أن تُشرك وزارة التربية والتعليم منظمات المجتمع المدني في مواجهة التحديات المتوقعة، حيث يتبلور لتلك المنظمات دور هام في دعم العملية التعليمية، ووقاية الطلبة والمعلمين من فيروس كورونا، وتطوير البدائل، وإيجاد حلول مناسبة. ولذلك، فإن دور منظمات المجتمع المدني من حيث ضمان نجاح التعليم المدمج واعادة فتح المدارس، ينبغي أن يشمل الأعمال التالية:

  • توفير التمويل العاجل للاستجابة السريعة للاحتياجات التعليمية التي يتطلبها التعليم المدمج خلال أزمة كورونا، وسيكفل هذا التمويل توفير بيئة تعليمة أمنة تمكن وزارة التربية والتعليم من إقامة بوابات التعقيم والفحص على مداخل المدارس، وتوفير غرف خاصة للحجر الصحي المؤقت داخل المدارس.
  • توفير مستلزمات الوقاية الشخصية وتسليمها للطلبة والمعلمين مثل: كفوف اليدين، والأقنعة المناسبة، ومواد التعقيم والتطهير وكافة الأدوات الصحية اللازمة للوقاية من فيروس كورونا.
  • تشكيل لجان مختصة لمتابعة مدى التزام المدارس بتدابير السلامة، ورصد أي تجاوزات قد تؤدي إلى انتشار الفيروس في احدى المدارس.
  • القيام بأنشطة توعوية داخل المدارس لتعريف الطلبة بكيفية غسل اليدين، وتوعيتهم بأهمية التباعد وتعقيم الأيدي بعد استخدام أي أدوات مدرسية، وتوعية الطلبة بالممارسات الصحية عند العطس أو السعال، والتوعية حول عدم مشاركة أي شئ كاستخدام نفس المقعد أو الأوراق أو الكتب أو الأقلام أو غيرها.
  • تطوير قدرات المعلمين على آليات ووسائل التعليم عن بعد من خلال عقد دورات تدريبية للمعلمين والطلبة حول أليات استخدام التكنولوجيا بما يخدم العملية التعليمية.
  • العمل مع وزارة التربية والتعليم على دراسة إيجابيات وسلبيات التعليم عن بعد خلال المرحلة السابقة، والاستفادة من هذه التجربة في حال ظهور أي طارئ مستقبلي.
  • المساهمة في توفير أجهزة تقنية للأسر الفقيرة والمهمشة، حتى يستطيع أبناء تلك الأسر متابعة دروسهم على أكمل وجه.

مما لا شك فيه أن المرحلة المقبلة سوف تتطلب، ربما أكثر من أي وقت مضى، تفعيل الأدوار التنموية والاجتماعية والثقافية لمنظمات المجتمع المدني، ولذا فإن المنصة الدولية "آي بالستاين"   تحث كافة المنظمات على تطوير قدراتها للاستجابة للسياسة التعليمية الجديدة المتمثلة بالتعليم المدمج، الذي يتطلب إنشاء بيئة تعليمية آمنة، وبنية إلكترونية مساندة للعملية التعليمية.