22 أغسطس 2020

لندن - بعد التصاعد الغير مسبوق للعنف ضد الطوائف الدينية والأشخاص المنتمين إلى أقليات دينية، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام الماضي قراراً أعلنت فيه بأن يوم 22 أغسطس يوماً دولياً لإحياء ذكرى ضحايا العنف القائم على أساس الدين والمعتقدات. المنصة الدولية للمنظمات غير الحكومية العاملة لأجل فلسطين "آي بالستاين" تدعو في هذا اليوم جميع الدول والمجتمع المدني والقطاع الخاص لأحياء هذا اليوم الدولي والقيام بدور مهم في تعزيز حرية الدين أو المعتقد في فلسطين، القدس تحديداً، للتخفيف من حدة الصراع المستمر على أرض فلسطين منذ عام 1948. يأتي هذا اليوم  كفرصة لمقاومة التعصب والتمييز والعنف ضد الفلسطينيين على أساس دينهم أو معتقدهم، ولطرح مبادرات مشتركة بين الأديان.

ومنذ بداية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وخاصة في القدس، اتبعت سلطات الاحتلال خطة منهجية تهدف إلى تغيير التركيبة السكانية في المنطقة بزيادة عدد اليهود الإسرائيليين في فلسطين بشكل عام والقدس الشرقية بشكل خاص مع خفض عدد الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين. حيث تميل إسرائيل إلى تطبيق هذه الاستراتيجية من خلال بناء المستوطنات والممارسات العنصرية ضد المسيحيين والمسلمين الذين يعيشون في المنطقة وإغلاق القدس أمام السكان الفلسطينيين من بقية الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، وبناء جدار الفصل العنصري حول القدس الشرقية، وممارسة الاعتداء على الأماكن المقدسة ودور العبادة. منذ عام 1967، بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الفور في بناء المستوطنات بصورة غير قانونية داخل حدود المدن المقدسة بما في ذلك القدس والخليل وبيت لحم ومشارفها، حيث تشكل هذه المستوطنات في الوقت الحاضر طوقا يحيط بالجزء المحتل من القدس ويعزلها عن بقية الضفة الغربية بشكل كامل. واليوم، هناك أكثر من 000 350 مستوطن يعيشون في القدس الشرقية يمارسون جميع أنواع أعمال العنف ضد المسلمين الفلسطينيين والمسيحيين الذين يعيشون في القدس، بما في ذلك رميهم بالحجارة، وسرقة منازلهم، والتسبب في اعتقال الشرطة الإسرائيلية لهم دون أسباب قانونية. وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل تعمل على تهجير الفلسطينيين المسلمين قسراً من مدينة القدس المحتلة كجزء من مشروعها للتهويد المعروف باسم القدس (2050).

علاوة على ذلك، دأبت سلطات الاحتلال الإسرائيلية على مصادرة الأراضي لمنع أي توسع عمراني فلسطيني إسلامي. كما اعتمدوا على سلسلة من سياسات التخطيط الهيكلي الرامية إلى منع المسلمين الفلسطينيين والمسيحيين في القدس الشرقية من البناء على أراضيهم أو توسيع المنشآت القائمة. ونتيجة لذلك، تسمح سلطات الاحتلال للفلسطينيين ببناء 13% فقط من القدس الشرقية المحتلة والعيش فيها. هذا بالإضافة إلى أن رخص البناء في القدس مكلفة للغاية، ويكاد يكون من المستحيل الحصول عليها بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة والتدابير العنصرية والسياسات التمييزية التي تنتهجها حكومة الاحتلال في هذا الصدد، مما يعطيها ذريعة لهدم منازل الفلسطينيين الذين يضطرون إلى البناء لتلبية النمو الطبيعي لأسرهم دون الحصول على تراخيص البناء. وتجدر الإشارة إلى أنه منذ عام 1967، صادرت إسرائيل، حوالي 34% من أراضي القدس الشرقية "للاستخدام العام"، وتم تخصيص 53% أخرى من أراضي القدس الشرقية للمستوطنات أو تم تصنيفها كـ "مناطق خضراء". وتشير التقديرات أيضا إلى أن إسرائيل قد هدمت منذ عام 1967 آلاف المنازل والمنشآت في القدس الشرقية، بما في ذلك بعض المواقع التاريخية والدينية مثل حي المغاربة في البلدة القديمة. والهدف من ذلك هو تفريغ الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة والقضاء على الهوية الفلسطينية. كما تسببت أعمال الهدم التي قامت بها قوات الاحتلال في تشريد آلاف المواطنين المقدسيين وتشريدهم، في حين أن طردهم القسري من مدينتهم في حد ذاته ينتهك القانون الدولي وينتهك قواعده.

تؤكد منظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق الفلسطينيين المقيمين في القدس أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي منعت منذ عام 1994 الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة من دخول أي منطقة في القدس، وأنه يجب على الفلسطينيين الراغبين في دخول القدس الحصول على تصاريح مؤقتة نادرا ما تمنحها السلطات الإسرائيلية. فيما قد أدت سياسة الإغلاق هذه إلى حرمان أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني من المسلمين والمسيحيين من حرية الوصول إلى أماكنهم المقدسة في القدس، حتى خلال الأعياد الدينية. وتوسعت أعمال إسرائيل لتشمل قرارات إسرائيل المفاجئة بإغلاق الأماكن المقدسة في القدس دون أي سبب مما دفع إسرائيل إلى ممارسة أعمال العنف التي تقوم بها، بما في ذلك إطلاق النار، والقتل، والضرب، واعتقال الفلسطينيين الذين يحتجون على هذا الإغلاق أو يحاولون دخول تلك المواقع في الأيام الأخيرة.

إن إسرائيل، منذ احتلالها للقدس الشرقية، مستمرة في انتهاكاتها واعتداءاتها على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وخاصة محاولاتها المستمرة لتغيير الوضع القانوني والتاريخي في المسجد الأقصى المبارك، وتقسيم الزمان والمكان، والنيل من حرية المسلمين في الصلاة فيه وإبعادهم عنه، والقيام بحفريات تحت المسجد الأقصى المبارك وحول أسواره. كما تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي خططها المنهجية الرامية إلى تقويض الكنائس في القدس وإضعاف الوجود المسيحي في المدينة المقدسة من خلال سياسات عديدة، بما في ذلك فرض الضرائب على كنائسها، وفي مقدمتها كنيسة القيامة. وقائمة الاعتداءات طويلة ولا يمكن حصرها، بما في ذلك فرض حصار على كنيسة القيامة في عيد الفصح وسبت النور، وتحويل الطرق المؤدية إلى الكنيسة في البلدة القديمة إلى ثكنة، وإقامة نقاط تفتيش لعرقلة وصول الحجاج إليها بحجة الحفاظ على الأمن، وقد تكرر هذا الأمر سنويا في السنوات الأخيرة. كما أن سلطات الاحتلال لم تتردد في الاعتداء على الرهبان، وهذا ما شهدناه في يناير 2018، عندما هاجمت شرطة الاحتلال الرهبان واعتقلت أحدهم أثناء قمع وقفة نظمتها بطريركية الأقباط الأرثوذكس في القدس على باب دير السلطان القبطي في ساحة كنيسة القبر المقدس.

تؤكد منظمات المجتمع المدني أن المسلمين والمسيحيين على حد سواء يتأثرون بأعمال العنف الإسرائيلية هذه، بما في ذلك مجزرة الأقصى التي وقعت في 8 أكتوبر 1990 التي قتل فيها 19 فلسطينيا على يد جنود الاحتلال الإسرائيلي. وأحداث نفق البراق عندما قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالتنقيب من الجانب الجنوبي تحت المسجد الأقصى المبارك ودمرت القصور الأموية لفتح نفق يقع على طول الجدار الغربي للمسجد الأقصى المبارك تحت مباني المماليك، مثل مدارس الجوهرية والعثمانية والتنازي، حيث تسببت هذه الاشتباكات في مقتل خمسة وثمانين فلسطينيا. كما تواصل إسرائيل "قوة الاحتلال" محاولاتها للاستيلاء على الممتلكات المحيطة بالحرم الشريف وتحويلها إلى معابد ومراكز شرطة ومؤسسات دينية في سبيل هدم المسجد الأقصى المبارك.

ومن أجل الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين الذين قتلوا أو ضربوا أو أذلوا أو اعتقلوا على يد الاحتلال الإسرائيلي بسبب دينهم، تدعو آي بالستاين في هذا اليوم إلى ضرورة قيام جميع منظمات المجتمع المدني العاملة من أجل فلسطين في فلسطين وفي الشتات بعمل تعاوني مع جميع الكيانات القادرة على تعزيز تنفيذ المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تكفل حماية الأفراد من التمييز وأعمال العنف القائمة على أساس دينهم ومعتقداتهم. وتؤكد آي بالستاين أن التمييز الإسرائيلي وأعمال العنف التي ترتكب ضد المسلمين والمسيحيين في القدس تهدف إلى تخويف الفلسطينيين من المعتقدات الدينية التي تمنعهم بالتالي من ممارسة شعائرهم الدينية.

هذا اليوم الدولي هو مناسبة لتثقيف الجمهور حول قضايا الحرية الدينية وتعبئة وسائل الإعلام والجماعات الدينية والسياسيين لمعالجة هذه المشكلة المتفاقمة. ولذلك، توضح "آي بالستاين" أن حماية الحريات الدينية أصبحت من هذه الزاوية قضية ملحة في السنوات الأخيرة، نظراً لأن السبب الرئيسي للعديد من الصراعات المأساوية في مختلف أنحاء العالم يعود إلى التعصب والاضطهاد الديني وما يتصل بذلك من تعصب عرقي وعنصرية وكراهية لفئات محددة من الناس، وتؤكد أن هذا اليوم الدولي هو فرصة أخرى للمجتمع المدني ولجميع الأطراف المعنية لإثبات بأنهم أداة قوية للمناصرة.